ابتسامات متعددة اللغات

كُتبت هذه التدوينة من أحد جوانب شاشة الحاسوب وبراوية من أحد أعضاء فريق اللغة العربية. كانت المنشورات السابقة حتى الآن مكتوبة من قبلنا جميعا من فريقي غزة وجلاسكو. لكن هذا المنشور مختلف عن السابق، فهو منشور يحكي عن أن تكون مسؤولاً عن مشروع بلغة لا تفهمها، وفي هذا المشروع بالتحديد أنا (جوفانا) الوحيدة التي وُضِعَت في هذا الموقف الخاص. ولذلك هذه هي تدوينتي حول الإحباط والثقة والتعاون، حول البحث عن الأنماط والأصوات (والابتسامات) وحول الأبعاد الوجدانية للغات …

المشهد الأول

المكان: مكتب في جامعة جلاسكوـ تقريب على البريد الوارد في البريد الالكتروني

أفنح ملف وصل للتو من شركائنا في غزة. أعلم أنه سيناريو الأفلام التي ستصاحب الدورة حيث كنا نتوقع وصوله. السيناريو باللغة العربية. أحدق فيه ولكنه يبقى صامتا بالنسبة لي، أصغر شاشة الملف وأكمل أعمالي الأخرى، حتى تأتي ايسا وتدب الروح في هذه الكلمات الصامتة.

ننظر أنا وايسا الى سيناريو الفيديوهات القصيرة لكل درس. شعرنا بالقلق نحو دور سارة- شخصية الفتاة الرئيسية في السيناريوـ فالحوارات تتضمن سطور قليلة لها وشعرنا بالحاجة الى تزويد دورها قليلا. يمكنني التخمين أن المتحدثة هي سارة بالرغم من كون النص مكتوب باللغة العربية وعدم تمكني من قراءته.

يمكنني التعرف على اسم “سارة” نظرًا لأن حرفها الأخير يشبه حرف “o” الصغير، مع وجود نقطتين فوقه. أستطيع أن أرى عيون وأنف وابتسامة ضئيلة قليلاً إلى اليمين. دعوني أقدم لكم سارة ذات الابتسامة الصغيرة:

سارة      

بالتالي يمكنني حساب عدد المرات التي تظهر فيها هذه الابتسامة الصغيرة ككلمة أولى في السيناريو وقبل وجود النقطتان الفاصلتان للحوار. كما ويمكنني التعامل مع الحوار من اليمين الى اليسار فلقد صار سهلا بما فيه الكفاية الان.

نعم بالتأكيد! تبدو نصوص سارة غير كافية وسنحرص على جعلها تتحدث أكثر قليلا في الحوارات. تقرأ ايسا الحوار لي بصوت عال باللغة الايطالية. نتناقش باللغة الايطالية (جوفانا وايسا) النقاط التي نحبها ونقوم بالتعليق على النقاط التي لسنا متأكدين منها لشركائنا في غزة باللغة الانجليزية على هوامش الملف المرسل.

المشهد الثاني

لدينا اليوم اجتماع مع كامل فريق العمل. وحيث أننا لم نلتق لفترة طويلة، فلدينا الكثير لنناقشه. جلسنا أنا وايسا على الأرض في غرفة المعيشة في شقة في جلاسكو وبجانبنا مدفأة خشبية لتبقينا دافئتين. يوجد على طاولة القهوة جهازان حاسوب محمولان، وبعض الأوراق، وأكواب قهوة فارغة، وأقلام، وبعض القطع من بسكويت الشوفان، وشكولاتة (انه وقت الغداء على اي حال). تأخذنا إحدى الحواسيب المحمولة إلى غزة عبر سكايب، وأما الاخر نستخدمه لفتح الملفات التي نعمل عليها.

ينظر فريق غزة إلى غرفة المعيشة في غلاسكو من الجانب الآخر من الشاشة. إنهم يبدون أكثر مهنية: غرفة جامعية، ومكاتب، وكتب، وأقلام، وأجهزة حواسيب محمولة. ولا نلمح فتات أي وجبة (حسنا، انها منتصف الظهيرة هناك). بلدتان وغرفتان وجهازان محمولان وثمانية أشخاص وثلاث لغات.. في بعض الأحيان نستخدم الثلاث لغات في آن واحد.

الاتصال اليوم ضعيف لسبب ما. أصواتنا تصل متقطعة الى غزة. أُقرب الى الشاشة وأتحدث باللغة الانجليزية ببطء: “هل.. رأيتم.. تعليقاتنا.. على.. النصوص؟” يتشاور فرق غزة باللغة العربية وتترجم لي ايسا بالإيطالية ما يقولونه فتقول: “إنهم غير متأكدين عن أي ملف تقصدين”. فأحاول مرة أخرى “لقد.. أرسلنا.. لكم.. تعليقاتنا.. الأسبوع.. الماضي”. يحاول فريق غزة بصعوبة فهم أسلوبي المتقطع في الحديث بالإنجليزية لهم (وجوة حائرة على الشاشة). تستفسر ايسا عن المستند بالعربية. إنهم يفهمون ما قصدت الآن ويتحدثون (بينما جوفانا تضع المزيد من الحطب للمدفأة).

تحسن الاتصال ونعمل معا لبضع ساعات أخرى لتطوير الحوارات ومناقشة التمارين.

المشهد الثالث 

نلوح بأيدينا لفريق غزة لننهي اجتماعنا الطويل والمثمر. أقول “مع السلامة” بينما أشعر بالدوار قليلا لما تطلبه الاجتماع من تركيز للتوفيق ما بين أجهزة الحاسوب واللغات وصدى الصوت. وداع ايسا بالعربية يستغرق وقتا أطول (ايسا وزملائنا في غزة يضحكون).

بقينا أنا وايسا لفترة ما بعد الظهر للقيام بالمهام التي اتفقنا عليها. وبقي فريق غزة أيضا في غرفتهم الجامعية ليباشروا في تنفيذ العديد من المهام التي وكلت إليهم. ايسا وأنا بدأنا بكتابة تصورنا لكيفية اخراج الحوارات المتفق عليها لتمثيلها، حتى نتمكن من إرسالها إلى غزة قبل المساء. على سبيل المثال: تحب سارة الموسيقى (تؤشر/ ترفع الإبهام). يحب آدم الرسم (يظهر كراسة الرسم). يود أنس الشاي مع مرمية (يتم التقريب على مرمية طازجة).

سوف يبدأ تصوير الحوارات في غزة خلال الأيام القليلة القادمة، وليس هناك وقت لنضيعه. سارة (ذات الابتسامة الصغيرة) لديها الآن نصوص أكثر.

تخبرني ايسا وهي مبتسمة: ” Ce la faremo” – (يمكننا فعلها)